فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



الثامن: أن تكونَ {مَنْ} شرطيةً وجوابُها مقدرٌ تقديره: فعليهم غضبٌ؛ لدلالةِ ما بعد {مَنْ} الثانيةِ عليه، وقد تقدَّم أن ابنَ عطية جَعَلَ الجزاء لهما معًا، وتقدَّم الكلامُ معه فيه.
قولِه: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مستثنى مقدَّمٌ مِنْ قوله: {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله}، وهذا يكونُ فيه منقطعًا؛ لأنَّ المُكْرَه لم يَشْرَحْ بالكفرِ صدرًا، وقال أبو البقاء: وقيل: ليس بمقدَّمٍ فهو كقول لبيد:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ

فظاهرُ كلامِه يَدُلُّ على أنَّ بيتَ لبيدٍ لا تقديمَ فيه، وليس كذلك فإنه ظاهرٌ في التقديمِ جدًا.
الثاني: أنه مستثنى مِنْ جوابِ الشرط، أو مِنْ خبر المبتدأ المقدر، تقديرُه: فعليهمْ غضبٌ من الله إلا مَنْ أُكْرِه، ولذلك قَدَّر الزمخشري جزاء الشرط قبل الاستثناء، وهو استثناء متصلٌ؛ لأنَّ الكفرَ يكون بالقولِ مِنْ غير اعتقادٍ كالمُكْرَه، وقد يكون- والعياذُ بالله- باعتقادٍ، فاستثنى الصِّنفَ الأول.
قوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} جملةٌ حاليةٌ، أي: إلا مَنْ أُكْرِهَ في هذه الحالةِ.
قوله: {ولكن مَّن شَرَحَ} الاستدراكُ واضحٌ؛ لأنَّ قوله: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} قد يَسْبق الوهمُ إلى الاستثناء مطلقًا فاستدرك هذا، وقوله: {وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ} لا ينفي ذلك الوهم، و{مَنْ} إمَّا شرطيةٌ أو موصولةٌ، ولكن متى جُعِلَتْ شرطيةً فلابد من إضمارِ مبتدأ قبلها؛ لأنه لا يليها الجملُ الشرطيةُ، قاله الشيخ ثم قال: ومثلُه:
ولكن متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أَرْفِدِ

أي: ولكن أنا متى يَسْتَرْفد، وإنما لم تقعِ الشرطيةُ بعد لكن لأنَّ الاستدراكَ لا يقع في الشُّروط. هكذا قيل، وهو ممنوع.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107)}.
قوله تعالى: {ذلك بِأَنَّهُمُ} مبتدأ وخبر، كنظائرَ مَرَّتْ، والإِشارةُ ب {ذلك} إلى ما ذُكِرَ من الغضبِ والعذاب؛ ولذلك وُحِّد كقوله: {بَيْنَ ذلك} [البقرة: 68].
كأنه في الجِلْدِ..، وقد مَرَّ ذلك.
قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ} في خبر {إنَّ} هذه ثلاثةُ أوجهٍ، إنه قوله: {لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، و{إِنَّ رَبَّكَ} الثانيةُ واسمُها تأكيدٌ للأولى واسمِها، فكأنه قيل: ثم إنَّ ربَّك إنَّ ربَّك لغفورٌ رحيم، وحينئذٍ يجوز في قوله: {للذين} وجهان: أن يتعلَّقَ بالخبرين على سبيل التنازعِ، أو بمحذوفٍ على سبيلِ البيان كأنه قيل: الغُفرانُ والرحمةُ للذين هاجرُوا. الثاني: أن الخبرَ هو نفسُ الجارِّ بعدها كما تقول: إنَّ زيدًا لك، أي: هُوَ لك لا عليك بمعنى هو ناصرُهم لا خاذِلُهم، قال معناه الزمخشريُّ ثم قال: كما يكون المَلِكُ للرجل لا عليه، فيكون مَحْمِيًَّا مَنْفُوْعًا.
الثالث: أن خبرَ الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، يعني أنه محذوفٌ لفظًا لدلالةِ ما بعده عليه، وهذا معنى قولِ أبي البقاء: وقيل: لا خبرَ ل {إنَّ} الأولى في اللفظ؛ لأنَّ خبرَ الثانيةِ أغنى عنه، وحينئذٍ لا يَحْسُنُ رَدُّ الشيخِ عليه بقوله: وهذا ليس بجيدٍ أنه أَلْغَى حكمَ الأولى، وجَعَلَ الحكمَ للثانيةِ، وهو عكسُ ما تقدَّمَ ولا يجوز.
قولِه: {مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ} قرأ ابنُ عامر: {فَتَنوا} مبنيًا للفاعل، أي: فَتَنُوا أَنْفُسَهم، فإن عاد الضميرُ على المؤمنين فالمعنى: فَتَنُوا انفسَهم بما أَعْطَوا المشركين من القولِ ظاهرًا، أو أنهم لَمَّا صبروا على عذابِ المشركين فكأنهم فَتَنُوا أنفسَهم، وإنْ عاد على المشركين فهو واضحٌ، أي: فتنُوا المؤمنين.
والباقون: {فُتِنُوا} مبنيًا للمفعول، والضميرُ في {بعدها} للمصادرِ المفهومةِ من الأفعالِ المتقدمةِ، أي: مِنْ بعد الفتنةِ والهجرةِ والجهادِ والصبرِ، وقال ابن عطية: عائدٌ على الفتنةِ أو الفَعْلة أو الهجرة أو التوبة. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.
إذا عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ عبده بقلبه، وإخلاصَه في عَقْدِه، ولحقته ضرورة في حاله خَفَّفَ عنه حُكْمَه، ودَفَع عنه عناءه فلا يَلْفِظُ بكلمة الكفر إلا مُكْرَهًا- وهو مُوَحِّدٌ، وهو مستحقٌ العُذْرَ فيما بينه وبين الله تعالى وكذلك الذين عقدوا بقلوبهم، وتجردوا لسلوكِ طريق الله ثم عَرَضَتْ لهم أسبابٌ، واتفقت لهم أعذارٌ، كأن يكون لهم ببعض الأسباب اشتغالٌ أو إلى شيءٍ من العلوم رجوعٌ لم يكن ذلك قادحًا في صحة إرادتهم، ولا يُعَدُّ ذلك فسخًا لعهودهم، ولا ينفي بذلك عنهم سِمَةَ القَصْدِ إلى الله تعالى.
أَمَّا {مَّن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا} فرجع باختياره، ووضع قَدَمًا- كان قد رَفَعَه في طريق الله- بِحُكْمِ هواه فقد نَقَضَ عهْدَ إرادته، وفَسَخَ عقده، وهو مستوجب إلى تتداركه الرحمة.
{أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)}.
إذا تمادى في غفلته، ولم يتدارك حالَه بملازمةِ حَسْرَتِه، ازداد قسوةً على قسوة، ولم يستمتع بما هو فيه من قوة، وكما قال جل ذكره: {لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109)}.
هم في الآخرة محجوبون، وبِذُلِّ البعد موسومون.
{ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110)}.
ومَنْ صَبَرَ حين عزم الأمر، ولم يجنح إلى جانب الرُّخَصِ، وأخذ في الأمور بالأشَقِّ أكرم اللَّهُ حَقِّه، وقرَّب مكانَه، ولَقَّاه في كل حالةِ بالزيادة، وربحت صفقتُه حين خسِرَ أشكالُه، وتَقَدَّم على الجملة وإِنْ قَلَّ احتيالُه. اهـ.

.تفسير الآيات (111- 113):

قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113)}

.مناسبة الآيات لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما تقدم كثير من التحذير والتبشير، وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون، وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار، بيَّن اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار، ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف، فقال تعالى مبدلًا من: {يوم نبعث من كل أمة شهيدًا} {يوم تأتي} أي فيه {كل نفس} أي إنسان وإن عظم جرمها {تجادل} أي تعتذر، وعبر بالمجادلة إفهامًا للذفع بأقصى ما تقدر عليه، وأظهر في قوله: {عن نفسها} أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس.
ولما كان مطلق الجزاء مخوفًا مقلقًا، بني للمفعول قوله: {وتوفَّى كل نفس} صالحة وغير صالحة {ما عملت} أي جزاء من جنسه {وهم} ولما كان المرهوب مطلق الظلم، وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى: {لا يظلمون} أي لا يتجدد عليهم ظلم لا ظاهرًا ولا باطنًا، ليعلم بإبدال {يوم} من ذلك المتقدم أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد إسكاتهم.
ولما عقب سبحانه ما ضرب سابقًا من الأمثال بقوله تعالى: {ورزقكم من الطيبات} وتلاه بذكر الساعة بقوله تعالى: {وما أمر الساعة} إلى آخره، واستمر فيما مضت مناسباته آخذًا بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها، وبين أن الأعمال هناك هي مناط الجزاء، عطف على ما مضى- من الأمثال المفروضة المقدرة المرغبة- مثلًا محسوسًا موجودًا، مبينًا أن الأعمال في هذه الدار أيضًا مناط الجزاء، مرهبًا من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى: {وضرب الله} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلمًا لكم أيها المعاندون! {مثلًا قرية} من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم السلام كان حالها كحالهم، وعن ابن عباس- رضى الله عنهما- أنها مكة {كانت ءامنة} أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف {مطمئنة} أي تارة بأهلها، لا يحتاجون فيها إلى نجعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة العدد وقوة المدد، وكف الله الناس عنها، ووجود ما يحتاج إليه أهلها {يأتيها} أي على سبيل التجدد والاستمرار {رزقها رغدًا} أي واسعًا طيبًا {من كل مكان} برًا وبحرًا بتيسير الله تعالى لهم ذلك.
ولما كانت السعة تجر إلى البطر غالبًا، نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى: {فكفرت} ونبه سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضلة عليهم تافهة بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال: {بأنعم الله} أي الذي له الكمال كله كما كفرتم {فأذاقها الله} أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلمًا {لباس الجوع} بعد رغد العيش {والخوف} بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ذلك بشموله لهم لباسًا، وبشدة عركهم ذواقًا، فكأن النظر إلى المستعار له، وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق، ولو نظر إلى المستعار لقال: فكساها، فكان يفوت الذوق، وذلك كما نظر إليه كثيّر في قوله:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكًا ** غلقت لضحكته رقاب المال

استعار الرداء للمعروف لأنه يصون صون الرداء لما يلقى عليه، ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال، لا وصف الرداء الذي هو المستعار، ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلًا كما نظر إليه من قال ذاكرًا السيف الذي يصون به الإنسان نفسه:
ينازعني ردائي عبد عمرو ** رويدك يا أخا بكر بن عمرو

لي الشطر الذي ملكت يميني ** ودونك فاعتجر منه بشطر

فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار، فبانت فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابي: هل يذاق اللباس؟ فقال له: لا بأس يا أيها النسناس! هب أن محمدًا ما كان نبيًا، أما كان عربيًا؟ {بما كانوا} أي بجبلاتهم {يصنعون} من الكفر والكبر، قد مرنوا عليه بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته.
ولما كان تعالى لا يعذب حتى يبعث رسولًا، حقق ذلك بقوله تعالى: {ولقد جاءهم} أي أهل هذه القرية {رسول منهم} كما وقع لكم {فكذبوه} كما فعلتم {فأخذهم العذاب} كما سمعتم، وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما قال «اللهم أعني بسبع كسبع يوسف» وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم {وهم ظالمون} أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها، لأنهم استمروا على كفرهم مع الجوع، وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة فدعا لهم. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

أما قوله: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا} ففيه أبحاث:
البحث الأول: قال الزجاج: {يوم} منصوب على وجهين.
أحدهما: أن يكون المعنى: {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ يَوْمَ تَأْتِي} يعني أنه تعالى يعطي الرحمة والغفران في ذلك اليوم الذي يعظم احتياج الإنسان فيه إلى الرحمة والغفران.
والثاني: أن يكون التقدير: وذكرهم أو اذكر يوم كذا وكذا، لأن معنى القرآن العظمة والإنذار والتذكير.
البحث الثاني: لقائل أن يقول: النفس لا تكون لها نفس أخرى، فما معنى قوله: {كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا}.
والجواب: النفس قد يراد به بدن الحي وقد يراد به ذات الشيء وحقيقته، فالنفس الأولى هي الجثة والبدن.
والثانية: عينها وذاتها، فكأنه قيل: يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته ولا يهمه شأن غيره.
قال تعالى: {لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37]، وعن بعضهم: تزفر جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي حتى أن إبراهيم الخليل عليه السلام يفعل ذلك.
ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقولهم: {هَؤُلاء أَضَلُّونَا} [الأعراف: 38]، وقولهم: {والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23].
ثم قال تعالى: {وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ} فيه محذوف، والمعنى: توفى كل نفس جزاء ما عملت من غير بخس ولا نقصان، وقوله: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} قال الواحدي: معناه لا ينقضون.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى ما يدل على ما نذهب إليه في الوعيد، لأنها تدل على أنه تعالى يوصل إلى كل أحد حقه من غير نقصان، ولو أنه تعالى أزال عقاب المذنب بسبب الشفاعة لم يصح ذلك.
والجواب: لا نزاع أن ظاهر العمومات يدل على قولكم، إلا أن مذهبنا أن التمسك بظواهر العمومات لا يفيد القطع، وأيضًا فظواهر الوعيد معارضة بظواهر الوعد، ثم بينا في سورة البقرة في تفسير قوله: {بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 81]. أن جانب الوعد راجح على جانب الوعيد من وجوه كثيرة، والله أعلم.
{وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ}.
وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى:
اعلم أنه تعالى لما هدد الكفار بالوعيد الشديد في الآخرة هددهم أيضًا بآفات الدنيا وهو الوقوع في الجوع والخوف، كما ذكره في هذه الآية.
المسألة الثانية:
المثل قد يضرب بشيء موصوف بصفة معينة سواء كان ذلك الشيء موجودًا أو لم يكن موجودًا وقد يضرب بشيء موجود معين، فهذه القرية التي ضرب الله بها هذا المثل يحتمل أن تكون شيئًا مفروضًا ويحتمل أن تكون قرية معينة، وعلى هذا التقدير الثاني فتلك القرية يحتمل أن تكون مكة أو غيرها، والأكثرون من المفسرين على أنها مكة، والأقرب أنها غير مكة لأنها ضربت مثلًا لمكة، ومثل مكة يكون غير مكة.
المسألة الثالثة:
ذكر الله تعالى لهذه القرية صفات:
الصفة الأولى: كونها آمنة أي ذات أمن لا يغار عليهم كما قال: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءامِنًا وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67]، والأمر في مكة كان كذلك، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض.